أنور فؤاد أبي خزام

70

معجم المصطلحات الصوفية

والفرق ، لأنّه من شهود الأفعال . فمن أشهد الحقّ سبحانه أفعاله من طاعته ومخالفاته فهو عبد يوصف التّفرقة ، ومن أشهده الحقّ سبحانه ما يوليه من أفعال نفسه سبحانه فهو عبد يشاهد الجمع . فإثبات الخلق من باب التّفرقة ، وإثبات الحقّ من نعت الجمع . ولا بدّ للعبد من الجمع والفرق فإنّ من لا تفرقة له لا عبوديّة له ، ومن لا جمع له لا معرفة له . فقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ « 1 » إشارة إلى الفرق . وقوله : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 2 » إشارة إلى الجمع . وإذا خاطب العبد الحقّ سبحانه بلسان نجواه إمّا سائلا أو داعيا ، أو مثنيا أو شاكرا ، أو منفصلا ، أو مبتهلا ، قام في محلّ التّفرقة . وإذا أصغى بسرّه إلى ما يناجيه به مولاه واستمع بقلبه ما يخاطبه فيما ناداه أو ناجاه ، أو عرف معناه أو لوّح لقلبه وأراه فهو يشاهد الجمع . . . والتّفرقة شهود الأغيار للّه عزّ وجلّ ، والجمع شهود الأغيار باللّه . . . وأنشدوا للجنيد ، رحمه اللّه ، في معنى الجمع والتّفرقة : وتحقّقتك في سرّي فناجاك لساني * فاجتمعنا لمعاني وافترقنا لمعاني إن يكن غيّبك التّعظيم عن لحظ عياني * فلقد صيّرك الوجد من الأحشاء داني وأنشدوا : إذا ما بدا إليّ تعاظمته * فأصدر في حال من لم يرد جمعت وفرّقت عنّي به * ففرد التّواصل مثنى العدد ( القشيري ص 35 ) . 4 - قيل أصل الجمع والتّفرقة قوله تعالى : اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ « 3 » فهذا جمع ، ثمّ فرّق فقال : وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ « 4 » . وقوله تعالى : آمَنَّا بِاللَّهِ « 5 » جمع ، ثمّ فرّق بقوله : وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا « 6 » . والجمع أصل والتّفرقة فرع ، فكلّ جمع بلا تفرقة زندقة ، وكلّ تفرقة بلا جمع تعطيل . وقال الجنيد : « القرب بالوجد جمع ، وغيبته في البشريّة تفرقة » . وقيل : « جمعهم في المعرفة وفرّقهم في الأحوال » . والجمع اتّصال لا يشاهد صاحبه إلّا الحقّ ، فمتى شاهد غيره فما جمع ، والتّفرقة شهود لمن شاء بالمباينة . وعباراتهم في ذلك كثيرة والمقصود أنّهم أشاروا بالجمع إلى تجريد التّوحيد ، وأشاروا بالتّفرقة إلى الاكتساب ، فعلى هذا لا جمع إلّا بتفرقة . ويقولون فلان في عين الجمع يعنون استيلاء مراتبة الحقّ على باطنه ، فإذا عاد إلى شيء من أعماله عاد إلى التّفرقة . فصحّة الجمع بالتّفرقة ، وصحّة التّفرقة بالجمع . فهذا يرجع حاصله إلى أنّ الجمع من العلم باللّه ، والتّفرقة من العلم بأمر اللّه ، ولا بدّ منهما جميعا . قال المزيّن : « الجمع عين الفناء باللّه ، والتّفرقة العبوديّة متّصل بعضها بالبعض . وقد غلط قوم وادّعوا أنّهم في عين الجمع ، وأشاروا إلى صرف التّوحيد ، وعطّلوا الاكتساب فتزندقوا . وإنّما الجمع حكم الرّوح ، والتّفرقة حكم القلب ، وما دام هذا التّركيب باقيا فلا بدّ من الجمع والتّفرقة . وقال الواسطيّ : « إذا نظرت إلى نفسك فرّقت وإذا نظرت إلى ربّك جمعت ، وإذا كنت قائما بغيرك فأنت فان فلا جمع ولا تفرقة » . وقيل : « جمعهم بذاته ، وفرّقهم في صفاته » . وقد يريدون بالجمع والتّفرقة أنّه إذا أثبت لنفسه كسبا ونظر إلى أعماله فهو في التّفرقة ، وإذا أثبت بالحقّ فهو في الجمع ، ومجموع الإشارات ينبئ أنّ الكون يفرّق والمكوّن يجمع ، فمن أفرد المكوّن جمع ، ومن نظر إلى الكون فرّق . فالتّفرقة عبوديّة ، والجمع توحيد ، فإذا أثبت طاعته نظرا إلى كسبه فرّق ، وإذا أثبتها باللّه جمع ، وإذا تحقّق بالفناء فهو جمع الجمع . ويمكن أن يقال : « رؤية الأفعال تفرقة ، ورؤية الصّفات جمع ، ورؤية الذّات جمع الجمع » ( السّهروردي ، ص 524 ) . 5 - الجمع والتّفرقة ، الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب عنك . ومعناه أن يكون كسبا للعبد من إقامة وظائف العبوديّة وما يليق بأحوال البشريّة ، فهو فرق . وما يكون من قبل الحقّ من إبداء معان وابتداء لطف وإحسان ، فهو جمع . ولا بدّ للعبد منهما فإنّ من لا تفرقة له لا عبوديّة

--> ( 1 ) سورة الفاتحة ، الآية 5 . ( 2 ) م . ع . ، الآية عينها . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية 18 . ( 4 ) م . ع . ، الآية عينها . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية 136 . ( 6 ) سورة البقرة ، الآية 136 .